العلوم التطبيقيةتكنولوجيا

هل ترغب بالتصدي لتغير المناخ؟ إذن فقد آن أوان العودة للطاقة النووية

قبل ثمانِ سنوات تحديدًا، تسببت هزة أرضية ضربت ساحل اليابان الشرقي في تشكل موجة تسونامي ضخمة ارتطمت بمحطة توليد الطاقة النووية “فوكوتشيما داييتشي.” وأنهك الجدار المائي آليات التبريد في المفاعل مما تسبب في وقوع ثلاث انصهارات نووية في غضون أربعة أيام تلت الحادثة. وغدت هذه الحادثة أسوأ كارثة نووية في العالم بعد حادثة تشرنوبل. ونتيجة لهذه الحادثة أسرعت كل من ألمانيا وسويسرا ودول أخرى حول العالم في تنفيذ خططها للتخلي عن الطاقة النووية كمصدر للطاقة. وتعد الطاقة النووية خالية من الانبعاثات عمليًا. وعلى النقيض تمامًا، فإننا نحرق الفحم والغاز بكميات هائلة لتوليد الكهرباء وبالتالي نضخ كميات من ثاني أكسيد الكربون وغيرها من الكيماويات الضارة في غلافنا الجوي. ونتيجة لهذا فإن درجة حرارة محيطاتنا بدأت بالارتفاع وأصبحت الظواهر المناخية المتطرفة أمرًا مألوفًا. أما أبناؤنا فهم أكثر وعيًا بهذه التغيرات منا نحن البالغون، ففي نهاية هذا الأسبوع، في الخامس عشر من شهر مارس، سيخرج التلاميذ من مدارسهم في أكثر من ثلاثين دولة حول العالم للاحتجاج على الندوب التي ننحتها في مستقبلهم.

هناك سبل للخروج من هذه الفوضى. ولكن في 11/3/2011 انحرف مسار العالم عن أحد أهم هذه السبل، أتحدث هنا عن الطاقة النووية. تجذرت معارضة الطاقة النووية تقليديًا بشكل أساسي في الخوف من وقوع حوادث للمفاعلات تتسبب في تسربات إشعاعية، أو من تسرب المخلفات من الأماكن المخصصة للتخلص منها. ويقول البيئيون بأن استخدام الطاقة النووية وخلق الفضلات الإشعاعية يشبه الإقلاع بالطائرة دون معرفة مكان الهبوط. ولكن، تبني دول عديدة اليوم مرادم للتخلص من المخلفات في عمق الأرض حيث يمكنهم التخلص من المخلفات الإشعاعية عالية المستوى بصورة آمنة. إذن، ما الأمر الذي يجب علينا أن نخشاه أكثر من أي شيء آخر: أن يتسرب غرام من البلوتونيوم من مردم النفايات في عمق الأرض بعد عشرة آلاف سنة، أو أن تنبعث مليارات الأطنان من ثاني أكسيد الكربون نتيجة حرق الوقود الأحفوري في وقتنا الحالي؟

باختصار، ليست المخلفات الناتجة عن الطاقة النووية المستخدمة سلفًا والمستحدثة هي ما يهدد كوكبنا. حتى أن البعض قد يقول بأن المخلفات النووية هي أحد أهم المقومات المشجعة للطاقة النووية، لأن حجمها صغير لدرجة أن بالإمكان تولي أمرها بشكل كلي وهو الحاصل فعلًا. أما في الجانب المقابل، فإن مخلفات الوقود الأحفوري، وخصوصًا ثاني أكسيد الكربون، كبيرة جدًا إلى درجة أننا لم نتمكن من احتوائها على الرغم من التجارب العلمية العديدة.

هل يمكننا الاستمرار على الاعتماد على الطاقة النووية بطريقة مسؤولة على الرغم من الحوادث الكبرى التي وقعت في جزيرة الثلاثة أميال وتشرنوبل وفوكوتشيما؟ صحيح أن هذه الحوادث كانت مريعة ولكن الحوادث في أي مجال سواء في المجال النووي أو في المجال الجوي أو في أي مجال آخر تقود إلى تصاميم جديدة أكثر أمانًا وإلى نشوء ثقافة الاهتمام بالسلامة. لم تمنعنا حوادث الطيران قط من السفر جوًا لأن أكثر الناس يدركون بأنها وسيلة فعالة للسفر. كما يعلمون أن احتمالات المخاطر لا تساوي الصفر ولكن مستوى السلامة عالٍ جدًا. يجب أن نصل إلى نفس درجة القبول مع الطاقة النووية.

في وقت ما، في بدايات العصر الذرّي، كان يُتوقع أن تكون الطاقة الكهربائية الناتجة عن الطاقة النووية “أرخص مما يمكن أن يقاس” وأنها ستكون أكثر كفاءة. ولكن في النهاية، لم تسر الأمور وفق هذه التوقعات. فالطاقة النووية لم تكن رخيصة يومًا، وإذا جئنا للمعايير الاقتصادية الخالصة، فهي اليوم بالكاد تنافس الطاقة الكهربائية الناتجة عن حرق الغاز الطبيعي، وخصوصًا الذي يستخرج باستخدام تقنية التكسير الهيدروليكي في الولايات المتحدة. ولكن القصة تختلف تمامًا عندما ننظر لانبعاثات غازات البيت الزجاجي على أنها تكلفة بحد ذاتها. ووفقًا لدراسة صدرت عام 2011، يؤدي حرق الفحم إلى انبعاث 979 طن من ثاني أكسيد الكربون –لكل جيجا واط في الساعة- في الغلاف الجوي. بينما يتسبب الغاز في انبعاث 550 طن. أما بالنسبة للطاقة النووية فكمية الانبعاثات تبلغ 32 طنًا فقط.

يزعم بعض الأفراد بأنه بالإمكان التعامل مع حاجة العالم الكبيرة والمتزايدة للطاقة عن طريق استخدام طاقتي الشمس والرياح. وتستثني الدعوة لاستخدام “مصادر الطاقة المتجددة” الوقود الأحفوري، ولكنها تستثني كذلك الطاقة النووية والتي تبنى على مصادر اليورانيوم غير المتجددة. هذه دعوة ذكية ولكنها تسطح المشكلة، لذا علينا أن نكون شاكرين لكون أكثر الدول سكانًا –الصين والهند- يوسعان استخدامهما للطاقة النووية بشكل كبير إضافة إلى استخدام الطاقة المتجددة. طاقتا الشمس والرياح يعملان بصورة رائعة في عدة أماكن كما أن تكاليفهما انخفضت. ولكن التخلص من حقول الطاقة النووية المتقنة فنيًا والخالية من ثاني أكسيد الكربون واستبدالها بحقول الطاقة الشمسية وطاقة الرياح الخالية من ثاني أكسيد الكربون غير منطقي بيئيًا. ورفض الطاقة النووية بحجة أن اليورانيوم غير متجدد لهو أمر ساذج، فمع التكنولوجيا الحديثة يمكن للمصادر الشاسعة من اليورانيوم والثوريوم تزويد العالم بالوقود لآلاف السنوات مع استخدام متوسع للطاقة النووية. ألا يكفي كون هذه المصادر مستدامة؟

نحن نقبل العلاج الإشعاعي في المجال الطبي لمحاربة السرطان مثلًا كما نقبل تعريض البهارات للإشعاع للتخلص من مسببات المرض. إضافة إلى أننا نستلقي تحت أشعة الشمس متمنين أن يمنحنا الإشعاع الشمسي صحة أفضل. الإشعاع طاقة يمكن أن تكون مدمرة وخطيرة إن لم تستخدم بتعقل وحذر، ولكنها يمكن أن تروّض وتُستخدم لصالحنا.

لإشباع حاجات الطاقة في عالم يتطلب كميات متزايدة من الكهرباء لمختلف الأنشطة الصناعية من السيارات والقطارات والتحلية والتحول الرقمي فإن زيادة الفاعلية في استخدام الطاقة أمر مهم ولكنه ليس كافيًا. نحتاج إلى الابتكار: بطاريات أفضل لحفظ الكهرباء، وموّصلات كهرباء جيدة تحفظ الطاقة، والاندماج النووي. ولكن قبل أن ننجح في هذه الأمور أو في مشاريع أخرى مثيرة للاهتمام، علينا أولًا أن نكون متعقلين وعمليين وأن نستغل الطاقة النووية كليًا قبل أن يصبح العالم مكانًا لا يصلح لعيش أبنائنا.

 

بقلم: هانز بليكس | ترجمة: آلاء الخليلية | تدقيق: مريم الريامية  | المصدر

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى