الاقتصادالاقتصاد الإبداعيالعلوم الاجتماعية

التعرف إلى الثقافات العالمية والتعريف بها عبر ألعاب الفيديو

في عالم اليوم المتسم بالتغيير المتسارع، والغارق بالتكنولوجيا، والذي لا يزداد كل يوم إلا تعقيدا ، هنالك قلق متزايد حول انفصال الجيل الشاب عن ثقافة بلدانهم وتراثها، وعن الحكمة الخالدة لأجدادهم. وغالبا ما يشير المهتمون بهذه المشكلة إلى التطور السريع لألعاب الفيديو، كونها أحد أسباب هذه الظاهرة. ولا يخلو هذا من الصحة، خاصة أن الألعاب التجارية تعمد إلى تصوير الأقليات، والشعوب الأصلية، والمجتمعات المهمشة على أنها مضطهدة، وتتعرض للأحكام المسبقة دون أدنى تحكيم للعقل، كما وتظهر في رسوم كاريكاتورية ساخرة.

ولكن هل يمكن تحسين هذه الوسيلة بالغة التأثير، بطريقة تمكننا من الخوض في غمار الثقافات حول العالم بطريقة خلاقة ومؤثرة؟ هل يمكن استغلال مليارات الساعات التي تُقضى في اللعب بتركيز، وفي مشاهدة الألعاب، فتقوم بربط اللاعبين بثقافتهم وبثقافات بعضهم البعض؟ وهل يُعدُّ هذا أيضاً حلا مجديا تجاريا نظراً للتنافسية الشديدة في سوق العمل؟

نحن نؤمن بشدة أن الإجابة هي نعم، ولكننا نعترف في نفس الوقت أنه ليس بالأمر الهين. فالاستفادة من التأثير القوي لهذه الوسيلة يتطلب شراكة كل الجهات الفاعلة، من بينهم المتمرسين من مطوري الألعاب، وذوي الخبرة في اجتياز التحديات التي تواجه تطوير الألعاب ونشرها، وكذلك كبار السن من خلفيات متنوعة، والشباب، والقصاصين، والفنانين، والأفراد ممن يمثلون ثقافة مجتمع ما ويحملون صوته.

وقياساً بتطور القصص من الرواية الشفهية إلى القصص المكتوبة، تقدم الألعاب الإلكترونية التفاعلية نوعاً مختلفاً جداً من سرد القصص. فالألعاب الإلكترونية تعتمد على المشاركة، وترتكز على اللاعبين. فهي تمكِّن اللاعبين من القيام بأدوار متنوعة، ومواجهة مشكلات معقدة، والقيام بخيارات هادفة، وكذلك اكتشاف نتائج تلك الخيارات والاستراتيجيات المختلفة. فلهم فيها دور فاعل، لا يعتمد على التلقي فقط؛ دور يندمج فيه اللاعب ويتفاعل. وفيها يمكن أن يفشل اللاعب، ويتلقى الملاحظات من اللعبة نفسها، أو من الزملاء والمرشدين. ولذلك تقدم هذه الألعاب فرصاً حقيقيةً، وكذلك تحدياتٍ صعبةً في توسيع، وتحسين وتطوير فن سرد القصص، خاصةً عند التعامل مع مواضيع ثقافية لها وقع ومكانة خاصة.

ونحن في (إي-لاين ميديا)، اختبرنا فكرة الاحتفاء بالثقافات ونشرها بألعاب الفيديو عن طريق (نيفر ألون)، وهي لعبة طورناها بالتعاون مع مؤسسة المجتمع القبَلي في كوك إنلت (CITC)، وهي مؤسسة رائدة في ألاسكا تخدم المجتمع القبَلي من السكان الأصليين. ففي سعيها لتحقيق العائد المادي، وكشكل من أشكال تحديد المصير، قررت (CITC) البدء في الاستثمار الذي يرتكز على رسالتها في المجتمع، في الاحتفاء بالثقافة، والقصة، واللغة. وأتت هذه الخطوة رغبة منهم في إلهام شباب ألاسكا من السكان الأصليين، كصناع لمستقبلهم. تعاونت (إي-لاين) و (CITC) في عملية تطوير شاملة، وانطلقتا في رحلة لعامين لصنع اللعبة. وما يميز (نيفر ألون) أنها ليست لعبة صنعت حول سكان ألاسكا الأصليين، بل هي لعبة صنعت مع سكان ألاسكا الأصليين.

تستكشف اللعبة قصة حكيت شفهيا بالطريقة التقليدية بلغة سكان ألاسكا، حيث تضم 26 لمحة ثقافية على هيئة مقاطع وثائقية قصيرة، تظهر للاعب خلال اللعب. وهي لعبة يلعبها شخصان، عبارة عن لعبة منصات تقوم فيها الشخصيات بالقفز من منصة إلى أخرى، وخلال ذلك تقوم بالتغلب على الأعداء والمعوقات الأخرى. تعزز اللعبة مفاهيم التكافل، والحكمة المتناقلة بين الأجيال، والمرونة والقدرة على تحمل الصعاب، وهي ذاتها الخصال التي مكنت شعب ألاسكا الأصلي من العيش لآلاف السنوات في واحدة من أقسى وكذلك أجمل الأماكن على سطح الكوكب.

أثارت (نيفر ألون) ردود أفعال على مستوى العالم. فقد نزلت اللعبة أكثر من 4 ملايين مرة، وكتب عنها حوالي أكثر من 1000 مقال في الجارديان، والبي بي سي، ونيويوركر، وأل أي تايمز وغيرها الكثير. وانضمت اللعبة إلى أكثر من 75 قائمة أفضل لعبة في السنة، كما ورشحت لجميع جوائز الألعاب المهمة، ربحت منها جائزة البافتا (الأكاديمية البريطانية لفنون السينما والتلفزيون)، وجائزة لعبة السنة التي نظمتها مؤسسة جيمز فور تشينج.

تعد (نيفر ألون) لعبة ربحية، وحولت CITC عوائدها إلى أسهم في شركة (إي-لاين)، وبذلك أصبحت أكبر شريك ل(إي-لاين ميديا). وقامت الشركتان بتشكيل فريق إدارة مشترك، حيث أصبح الرئيس التنفيذي لـ CITC رئيساً تنفيذياً (لإي-لاين)، وتولى المدير المالي لـ CITC المهام المالية في (لإي-لاين).
بالرغم من أن القناة الأساسية للعبة هي منصات الترفيه التجارية، وزعت (نيفر ألون) أيضا مع دليل لها على جميع مدارس أحياء ألاسكا. وأدخلت بعض المدارس الابتدائية والثانوية حول العالم اللعبة في مناهجها. وعرضت اللعبة أيضا في متاحف عدة منها متحف دنفر للفنون، ومتحف هيرد في فينيكس، وكذلك في الأكاديمية الصينية للفنون الجميلة، والمتحف السميثسوني.

وتعدى تأثير هذا النجاح اللعبةَ نفسَها، ليثمر عن توطيد الشراكة بين CITC و(إي-لاين)، حيث أن الشركتين تعملان على جزء آخر من لعبة (نيفر ألون) وكذلك على فيلم مقتبس من اللعبة. نأمل سوياً أن نتعاون مع مجتمعات أخرى لخلق سلسلة ألعاب عالمية تمكّن الأقليات من إيصال أصواتهم ونظرتهم للعالم.

وتعد إحدى نتائج هذه الشراكة هو إدراك الحاجة إلى نماذج من الاستثمار المؤثر التي تمكّن المستثمرين المهتمين بنشر التأثير الإيجابي للألعاب أن يقبلوا بالمخاطرة، ويعقدوا شراكات مع المواهب المبدعة لتحقيق درجة من تنويع المحفظة الاستثمارية. ونحن بالتعاون مع CITC، ندعو المستثمرين أن ينضموا إلى مجموعة الاستثمار المرتكز على رسالة المؤسسة تجاه المجتمع من خلال الاستثمار بنظام شراء الأسهم، أو من خلال الفوائد المباشرة. ويمكِّن نظام الفوائد المباشرة الممولين من تحقيق الربح من استثماراتهم بشكل مباشر من إيرادات لعبة واحدة أو عدة ألعاب ضمن ملف الاستثمار المرتكز على رسالة المؤسسة، بدون الاضطرار إلى تحمل مخاطر السيولة أو البيع المتوقعة في استثمار الأسهم في الشركات الخاصة.

أثمر تعاوننا مع CITC عن مشاركة جملة من المستثمرين من توجهات مختلفة بما فيهم منظمات ومؤسسات رائدة أخرى، و مؤسسات غير نفعية، و شركات عائلية وغيرهم من المستثمرين المبتدئين، تحت مظلة الرسالة تجاه المجتمع، والإيمان بأهمية استغلال إمكانيات السوق لإحداث التغيير الإيجابي.
ومع تحول الألعاب من مجرد منتج ينتهي دورها بمجرد أن ينتهي اللاعب، إلى ألعاب تقدم خدمة اجتماعية (ألعاب تبني مجتمعات، وتشكل مساحات اجتماعية)، هناك فرصة كبيرة لخلق عوالم مشبعة ثقافياً، لتلهم اللاعبين الذين يحدوهم الفضول ليس فقط لاكتشاف الثقافات الأخرى، ولكن لاكتشاف ثقافاتهم أيضا ونشرها والتعبير عنها. و بالإضافة إلى صنع الألعاب، نحن ندعم برامج صنع الألعاب للشباب للمساعدة في صقل قوى عاملة متنوعة تخدم هذه الصناعة، ولضمان أنه وخلال جيل واحد، سيكون كل مجتمع قادراً على صنع ألعاب تجارية تمثل ثقافته.

حول العالم، نحن نقضي أكثر من ثلاث مليارات ساعة أسبوعياً في لعب ألعاب الفيديو، ومليار ساعة غيرها في مشاهدة غيرنا يلعبها. إن الاستثمار المؤثر في الألعاب التجارية التي تعد وسيلة في اكتشاف ونشر الثقافات هي طريقة فعالة لاستغلال هذا الوقت والجهد غير الهينين لنضمن أن يتم التعريف بهذه الثقافات الغنية، والتي استدامت نفسها لآلاف السنوات، بطريقة أصيلة ومؤثرة عبر أحدث التقنيات ووسائط الترفيه.


بقلم :ألان جرشنفلد و مايكل أنجست | ترجمة: سامية السليمانية| تدقيق الترجمة: لمياء العريمية | المصدر

سامية السليمانية

مترجمة، تجد في الترجمة والقراءة حياة أخرى.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى