الأدب

لماذا ما زال شكسبير في دائرة اهتمامنا؟

مرت أربعمائة سنة منذ أن خط َّ شكسبير مسرحيته الأخيرة، ومع ذلك تظل أعماله النثرية بكل ما تحويه من حبكات وشخصيات تنبض بالحياة كما كُتب لها أن تكون عندما جُسدت على خشبة المسرح في أواخر القرن السادس عشر وبدايات القرن الذي يليه.

أعمال شكسبير اليوم تقدم كمادة قرائية إلزامية لطلاب المدارس الثانوية ،وكذلك الحال مع طلاب الكليات المتخصصين في الكتابة أو الآداب، حيث يلزمون بتسجيل مقرر أو مقررين في ذات الإطار. مسرحيات شكسبير تمّ عرضها تقريبا بجميع اللغات سواء على خشبة المسرح أو على شاشات العرض أو في المهرجانات ذائعة الصيت عالميا، وحتى في السجون. يرى المعلمون أن شكسبير يقدم حلقة وصل معاصرة بين الشعوب تفتح آفاقا لنقل المعرفة والتعليم لأكثر المجتمعات تهميشا.

بالنسبة لاثنين من أبرز علماء الآداب في جامعة تكساس في سان أنطونيو آلان كارفن ومارك باير فإن جاذبية شاعر إيڤان – أحد ألقاب شكسبير- الخالدة هي موضوع مغر للبحث، حيث دائما ما يُسألون عن سر بقاء شكسبير متربعا على القمة في مجال الآداب. والسؤال الذي يجب أن يطرح هو ما الذي يجعل هذا الشاعر والكاتب المسرحي الذي أسلم روحه منذ فترة طويلة عنصرا مهما في الثقافة المعاصرة؟

والإجابة بسيطة بالنسبة لكارفن الأستاذ الفخري في جامعة تكساس الذي قام بتدريس أول مقرر له عن شكسبير في عام ١٩٦٥ حيث يقول:

” إنه يمتلك حسا دراميا عظيما، إنه أعظم شاعر وناثر في تاريخ اللغة ” ويضيف كارفن الذي يدرس مقررات شكسبير الجامعية والذي شاهد كل مسرحيات شكسبير ولو لمرة على الأقل: ” إن لديه حضورا مثل لينكولن أو واشنطن في التاريخ الأمريكي ” ويضيف مجددا: ” إن اللغة غنية والشخصيات معقدة وإن كثيرا من مواضيعه الأساسية كالحب والخيانة والشرف والشجاعة ومكائد السياسة ما زالت رنانة حتى يومنا “.

مارك باير الأستاذ المساعد ورئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة تكساس يجد نفسه متفقا مع كارفن حيث يقول:

” هنالك جدليتان حول العمر الأدبي الطويل لشكسبير، الأولى جوهرية نظرا للطلب العالمي على مسرحياته، ولكن أيضا من الممكن أن يفرض أحدهم جدلا أن شكسبير أصبح على ما عليه هو اليوم بفعل الثقافة الشعبية “.

ويوضح باير: ” إن حركة البحث ساعدت على إذكاء سحر شكسبير من خلال طرح أعماله في المناهج لطلاب المدارس والكليات. ويضيف أيضا: ” عادة ما يقرأ طلاب المدارس مسرحية واحدة كل عام أما في جامعة تكساس يلزم الطلاب المتخصصون في اللغة الإنجليزية -والتي هي أكثر البرامج الأكاديمية شيوعا في الجامعة- على الأقل بصف شكسبيري واحد ” ويضيف أيضا: ” في خارج الفصول الدراسية تعرض الأفلام والمسرحيات وتقام عروض الباليه وتنظم مهرجانات شكسبيرية. حتى إن الإعلانات الموسيقية والمتلفزة استلهمت من شخصيات شكسبيرية بارزة كروميو وجولييت “. ويقول باير أيضا ” إن قدرا من السمعة السيئة التي تحيط بشكسبير ترتبط بالضجيج “.

ويستأنف كارفن قائلا: ” مع ذلك، شكسبير ينجح في تشكيل الخبرة لكثير ممن لم يشاهدوا أيا من مسرحياته، الجميع يعرف إلى حد كبير قصة روميو وجولييت وغالبية الناس يستطيعون ترديد سطرين على الأقل من مناجاة هاملت ” نكون أو لا نكون” ويضيف: ” الكثير من الناس تأثروا بشكسبير حتى لو لم يعرفوا الكثير عنه “. ويضيف كارفن: ” وحتى في السجن فإن المساجين الذين يسعون بانتظام للحصول على فرص للتعلم يجدون دروسا عن شكسبير ومسرحياته. فمثلا تراجيدية يوليوس قيصر وهي مسرحية تحكي عن مؤامرة دبرت لاغتيال الإمبراطور الروماني والتي تعتبر واحدة من الأعمال التي تقدم للمساجين لتعريفهم بالأداب وكجزء من عملية التعليم أيضا. إن الحبكة والمواضيع المتضمنة في التراجيدية كالقتل والانقلاب السياسي والعدالة هي كل الأشياء التي یود السجناء أن يربطوها بدائرة اهتمامهم “.

رجل زمانه

لم يتصور شكسبير يوما إن أعماله ستكون قوتا لطلاب المدارس في صفوف اللغة الإنجليزية وكذلك المساجين في القرون اللاحقة البعيدة. كان رجل عصره يكتب إلى جمهور معاصريه طارحا القضايا الساخنة المؤثرة سياسيا أو اجتماعيا في أيامه.

يقوم البروفسور باير بتعليم طلابه كيفية التمعن في السياق التاريخي للمسرحيات وللأشخاص التي كتبت لهم ويقول: ” على سبيل المثال في القرنين السادس عشر والسابع عشر لم يفهم الجمهور البريطاني علم النفس البشري بما فيهم الكاتب أيضا كما هو مفهوم اليوم. رغم ذلك فإن شخصية هاملت المعقدة نفسيا قد ساهمت في إنجاح المسرحية، وذلك لارتباطها مع الأفكار والأحداث المرتبطة بالناس في الفترة الشكسبيرية “.

ويضيف باير: ” إنهم (الناس في بداية الحداثة) يستمتعون بالأشباح والمؤامرات السياسية وخطط القتل والأمم المتحاربة. كل هذه الأشياء كانت في أذهان الناس في ذلك الوقت. ما زال الناس حتى يومنا يعايشون الحب والخسارة والكراهية والحرب والفكاهة والمآسي والذي بدوره خلق موطئ قدم لشكسبير في الوقت الراهن. إن مسرحياته كتبت ليتم عرضها، وعبّر فيها عما يريد الجمهور معرفته. إذا رأينا مسرحياته من خلال الكتب والفصول الدراسية فإننا حتما نفعل ذلك بالطريقة الخاطئة. “.

ويضحك باير مسترجعا تلك اللحظة عندما رأى روميو وجولييت في عرض حي على مسرح يبدو أنه ملئ بالمراهقات. لقد تنهدن ونُحْنَ وقهقهن وبكين كشيء واحد خلال كل مجريات العرض وهو ما جعل البروفيسور مبتهجا آنذاك.

ويسترسل كارفن: ” هذه هي الطريقة التي أرادها شكسبير أن تكون سمة في مسرحياته. شكسبير أراد جمهورا متفاعلا، جمهورا يهتف لشخصياته ويُحبط منهم في آن. هذه الصلات الملموسة لشكسبير ليست متينة في سان أنطونيو  بقدر ما هو عليه الحال في المناطق الأخرى من الولايات المتحدة، حيث تنظم فيها المهرجانات الشكسبيرية في شهور الصيف أو ربما تكون هنالك مجموعات استعراضية تتمحور عروضها حول شكسبير “.

ويوضح كارفن: ” بالطبع إنجلترا هي القلب النابض للحب الشكسبيري وطقوسه. ولا يمكن اعتبار إجازةٌ ما في تلك البقعة على أنها كاملة بدون زيارة قرية ستراتفورد أبون آفون التي نشأ فيها شكسبير. إن السائح في لندن قد يجد ثلاث أو أربعة عروض مستقاة من مختلف أعمال شكسبير في نفس الوقت “.

على الرغم من قلة العروض في سان أنطونيو فإن مقررات جامعة تكساس هناك تبقى مرغوبة من قبل الطلاب الذين يكتسبون التقدير بتقديرهم للغة الجزلة والموهبة التي حظي بها كاتب من عصر آخر.

یقول كارفن: ” اللغة كثيفة وغنية جدا وأول مسرحيتين يقرؤونها ستكون غاية في الصعوبة وذلك بسبب اللغة القديمة، ولكن لأنها كثيفة من حيث الدلالات. يجب أن تقرأ الأسطر مرارا وتكرارا ولكن مثل أي شيء آخر الوقت والجهد يؤديان إلى الفهم. إن الطلاب يحضرون هذه الصفوف لأنها إلزامية، ولكنني أعتقد سأنهم سيشعرون بالمتعة في نهاية المطاف “.

ربما سينتهي المطاف بأحد هؤلاء الطلاب كما حدث مع البروفسور كارفن الذي يرى الحياة بعدسات صنعها شكسبير. ويختم كارفن قائلا: ” أجد نفسي أقتبس من شكسبير في كل الأوقات. هنالك دائما اقتباس لكل شيء تريد قوله “.

بقلم : سيندي توميل | المصدر

حاتم العامري

مترجم في نادي كلمة. أهوى التقنية وقارئ كتب نهم. أعمل كـ Business Analyst.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى