التشهير: الجُندي المجهول وراء التقدم الاجتماعي

 

أصبح التشهير مؤخرًا ذا سمعة سيئة حيث وُصف على أنه فعلٌ سُميّ ومدمِّر. لكن يمكن للتشهير أن يكون أداةً من أجل إحداث تأثير للتغيير الإيجابي.

***

كشف طالب دكتوراه في علوم الكمبيوتر عن ثغرات أمنية من شأنها أن تخترق خصوصيات الشركات الكبيرة، ثم شاركها مع وسائل الإعلام لِيُنشر الخبر على نحو سلبي. إن أبرز تلك الثغرات هي تمييز Google الروابط غير الآمنة بعلامة خطر حمراء، كما نشرت فتاة في التاسعة من عمرها صورًا لوجبات الغداء السيئة التي تقدمها مدرستها على مدونة، وهو ما استدعى إلى تدخل المجلس المحلي.

ما القاسم المشترك بين القصص المذكورة آنفًا؟ جميعها أمثلة على التشهير باعتباره أداةً تحفّز على إحداث تغييرات هيكلية.

إن العار مثله كمثل كل المشاعر، هو موجود لأنه منح أسلافنا فرصة جيدة للبقاء على قيد الحياة. إنه أمر شائع. ترتبط لغة الجسد بالشعور بالخزي – أكتاف مقوّسة، ونظرات متجنِّبة، وشفاهٍ ملويّة، ورؤوس محنيّة وما إلى ذلك – والتي تحدث باختلاف الثقافات. حتى المكفوفون يظهرون لغة الجسد ذاتها، وهذا إن دل على شيء إنما يدل على أن هذه الحركات فطرية وليست مكتسبة. نحن لن نضيّع وقتنا وجهدنا في الشعور بالعار لو لم يكن ضروريًا للبقاء.

يفرض علينا العار الأعراف الاجتماعية بمجملها، وكانت القدرة على الحفاظ على الترابط الاجتماعي بالنسبة لأبائنا مسألة حياة أو موت؛ فإليك على سبيل المثال القاعدة الاجتماعية والتي توجد في كل مكان تقريبًا، ألا وهي أن السرقة تصرّف خاطئ. إذا قُبض على سارق فإنه سيشعر بشيء من العار. على الرغم من أن هذا التصرف لا يهدد حياة أحد في الوقت الراهن، إلا أنه كان علامة على أن قدرة المجموعة على التعاون في خطر، والعيش في مجموعات صغيرة في بيئة قاسية يعني أن التعاون التام أمر ضروري.

من منظور علم الأحياء التطوري، تنامى الشعور بالعار على مر العصور ليمكّن الإنسان من اكتساب أعراف اجتماعية تساعده على التأقلم والانتماء بين أقرانه. إن ما يدعم هذه الفكرة هو أن العار شائع بكثرة في المجتمعات الجمعية حيث يمضي الناس وقتًا قليلًا بمفردهم أو يكاد لا يفعلون ذلك إطلاقًا مقارنةً بالمجتمعات التي يعيش فيها الناس بمفردهم.

تزعم جينيفير جاكيه في كتابها (هل العار ضروري؟: استخدامات جديدة لأداة قديمة) أننا لم نفرغ من مناقشة مسألة العار بعد. في الحقيقة، إذا ما واءمنا مسألة العار مع العصر الحالي، فمن الممكن أن تساعد في حل معظم القضايا الملحة التي نواجهها حيثُ يمنح الشعور بالعار للشخص الضعيف قوة أكبر. الفرق هو أنه يجب أن نحوّل العار من العوام إلى المؤسسات والمنظمات والأفراد الأقوياء. تقول جاكيه أن كتابها “يسلط الضوء على أصول العار ومستقبله، بالإضافة إلى أنه يدرس كيف أن العار -تعرض المخطئ للرفض العام- أداة تبدو للعديد منا مزعجة، قد تسخّر لخدمتنا بطرق جديدة.”

العار والخطيئة

تبدأ جاكيه كتابها بسرد قصة سام لابود وهو شابٌ كان قد عزم في الثمانينيات على استهداف الممارسات في صناعة صيد التونة التي أدت إلى موت الدلافين. يتم اصطياد التونة غالبًا باستخدام الشباك الكيسية، وهي نوع من الشباك الكبيرة التي تحيط بفوجٍ من الأسماك، ولأن الدلافين تفضّل السباحة بجانب أسماك التونة، يصبح من السهل صيدها في الشباك، ثم إما تموت أو تعاني من إصابات خطيرة.

حصل لابود على وظيفة في قارب لصيد أسماك التونة، حيثُ التقط صورًا للدلافين وهي تموت بسبب جراحها. أخفى لابود نواياه الحقيقية عن الطاقم لعدة أشهر، وقضى كل يوم في خشية من موت الدلافين، وأمل في الحصول عليها في الوقت ذاته. ظهرت تلك الصور في الثمانينات من القرن الماضي في وسائل الإعلام في جميع أنحاء العالم، كما لفتت انتباه شركات التونة الكبرى.

شعرت جاكيه -والتي كانت ما تزال طفلةً آنذاك- بالرعب حينما علمت بتداعيات تناول عائلتها لأسماك التونة، حيثُ تتذكر ذلك كواحدة من تجاربها الأولى في الشعور بالعار المرتبط بالممارسات الاستهلاكية. تمكنت جاكيه من إقناع أهلها بمقاطعة التونة المعلبة نهائيًا، كما اتخذت شركات أخرى القرار ذاته حتى أنها أطلقت ملصقًا “Dolphin-safe” (ملاحظة المترجمة: نوع من التونة يتم اصطياده بطرق آمنة) حيث يشير هذا الملصق إلى الالتزام بالتوجيهات التي تهدف إلى التقليل من قتل الدلافين. عادت جاكيه لتناول التونة دون أن تفرط التفكير في تداعياته السلبية كما كان الحال سابقًا.

رغم ذلك، كانت الحملة التي تهدف للحد من قتل الدلافين أثناء صناعة التونة غير مجدية لأنها بُنيت من منطلق الشعور بالذنب وليس اقتراف العار. تكتب جاكيه “الإحساس بالذنب هو الشعور الذي يكون من يشعر به ويثيره هو المرء نفسه، وتؤدي حالة عدم الارتياح التي يسببها إلى مراقبة الذات”. جعل انتشار خبر موت الدلافين الناسَ يشعرون بالذنب حيال عاداتهم الشرائية للأسماك والتي تتعارض مع قيمهم الأخلاقية. يمكن لأولئك الذين يشعرون بالذنب أن يشتروا تونة من نوع “Dolphin-safe” شريطة أن يكون لديهم الإمكانية لدفع مبلغ أكبر، والوقت للبحث عن اختياراتهم. ربما كانت الوسيلة الأفضل هي تسليط الضوء بالفيديو على شركات التونة، بالإضافة إلى ذكر أسماء أكبر المخالفين ومطالبتهم بإجراء تغييرات نوعيّة في سياساتهم.

لكن تغيير الناس لعاداتهم الاستهلاكية لم يحدّ من موت الدلافين، وفشل في إحداث تغيير هيكلي في تلك الصناعة. وأدركت جاكيه لاحقًا أن هذا الأمر كان جزءًا من تحول أوسع في العمل البيئي. توضح جاكيه أن الأمر أصبح متعلقًا أكثر باختيارات المستهلكين:

بدأ الشعور بالذنب من قِبل المستهلكين يطغى على الشعور بالعار -كوسيلة لحل المشكلات الاجتماعية والبيئية- وذلك مع تحول التركيز من العرض إلى الطلب؛ فأصبحت التراخيص أكثر شيوعًا، حيث يشير انتشارها برويّة إلى أن المسؤولية يجب أن تقع على عاتق المستهلك الفردي بدلًا من المجتمع السياسي… لم يكن الهدف هو إصلاح صناعات بأكملها بل الحد من ضمائر قطاع معين من المستهلكين.

 

تفرّق جاكيه بين الشعور بالعار والشعور بالذنب على أن الشعور بالعار هو تهديد بالمواجهة، بينما الأخير هو شأن شخصي لا يتطلب مواجهة مع الآخر. يرتبط العار بإمكانية وجود جمهور. تخيّل أن شخصًا ما أرسل نسخة مطبوعة من سجل البحث الخاص بك على الإنترنت من الشهر الماضي إلى صديقك المقرّب أو حماتك أو شريكك أو رئيسك في العمل. ربما لم تشعر بالذنب أثناء قيامك بعمليات البحث، ولكن فكرة كشفها قد تكون مدعاة للشعور بالعار.

كان تحويل تركيز الحركة البيئية من الشعور بالعار إلى الشعور بالذنب في أحسن الأحوال تشتيتًا للانتباه، حيث أنه يضع المسؤولية على عاتق الأفراد رغم أن تصرفات بسيطة مثل إغلاق المصابيح لا تعد ولا تحصى. إن الشعور بالذنب هو عاطفة أكثر خصوصية لا تتطلب حدوث مواجهة، هو ما تشعر به حينما لا تكون سعيدًا بأمرٍ ما قمت به، بينما العار هو ما تشعر به عندما يكتشف أحدهم ذلك الأمر. تقول جاكيه “توصّلت ورقة بحثية صدرت عام 2013 إلى أن 90 شركة فقط (بعضها مملوك للدولة) مسؤولة عما يقرب من ثلثي انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان الأصلية، ويذكّرنا هذا بأننا لا نتشارك جميعًا اللوم عن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري”. إن الشعور بالذنب غير مجدٍ لأنه لا يغير النظام. وبذلك، تعتقد جاكيه بأنه قد حان الوقت للعودة للشعور بالعار “أداة يمكنها العمل بسرعة وعلى نطاق أوسع”.

العادات السبع للتشهير الفعال

لذلك، إذا أردت استخدام التشهير كقوة للخير، أو كفرد من مجموعة، فكيف يمكنك القيام بذلك بطريقة فعّالة؟ إليك سبع مؤشرات تضعها جاكيه بين يديك.

أولًا: “يجب أن يهتم الجمهور المسؤول عن التشهير بمسألة الانتهاك”. لا بد أن يؤثر الأمر عليهم حتى يحفزهم على استخدام التشهير كوسيلة لتغيير ذلك الأمر، حيث أنه إن لم يؤثر على حياتهم، فلن يكون لديهم سبب وجيه للشعور بالعار. يجب أن يكون الجمهور هو الضحية. مثلًا معدلات التدخين آخذة في الانكماش في العديد من البلدان، قد يتعلق جزء من هذا الأمر بميل غير المدخنين إلى فضح المدخنين. كلما زادت أعداد غير المدخنين، زادت قوتهم على فضح المدخنين، وذلك لأن التدخين غير المباشر يؤثر على صحتهم أيضًا، كذلك هو الحال مع الرسوم غير المباشرة مثل الضغط على موارد الرعاية الصحية والاضطرار إلى رعاية أفراد الأسرة المرضى، حيث تقول جاكيه “يجب أن يظل التشهير وثيق الصلة بمعايير الجمهور والإطار الأخلاقي”.

ثانيًا: “يجب أن تكون هناك فجوة كبيرة بين السلوك المرغوب والسلوك الفعلي”. كلما كانت الفجوة أصغر، كان التشهير أقل فعالية. أن يسرق أحدهم حقيبة يد من سيدة عجوز هو أمر و الاحتيال على آلاف المتقاعدين من مدخراتهم هو أمر آخر تمامًا. نحن نميل إلى الإنصاف بشكل عام ونصبح غاضبين تمامًا عندما يكون الظلم ملحوظًا. تلاحظ جاكيه أنه عندما يكون ذلك بسبب خطأ مجموعة صغيرة تحديدًا نأخذ الأمر على محمل الإهانة، كأن تكون عددًا من الشركات مسؤولة عن غالبية انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. إنها أيضًا مسألة نسبية، حيث تستشهد جاكيه بأبحاثها الخاصة والتي وجدت أن “درجة” السوء “بالنسبة للمجموعة مهمة عندما يتعلق الأمر بالتفاح الفاسد.” كلما زاد التباين بين سلوك أولئك الذين يتعرضون للتشهير وبقية المجموعة كان الانزعاج أكبر. على سبيل المثال كلما كان مستوى التلوث أسوأ بالنسبة لشركة ما، زاد فضح الناس لها.

ثالثًا: “يجب أن يكون العقاب الرسمي غير وارد”. يكون التشهير أكثر فاعلية حينما يكون هو السبيل الوحيد الممكن للعقاب وإلا فسيتم تجاهل عملية الانتهاك. إن هذا يثير إحساسنا بالغضب تجاه الظلم. تشير جاكيه إلى أن السبب وراء نجاح التشهير في السياسة الدولية هو أنه غالبًا ما يكون بديلاً عن الأساليب الرسمية للعقاب. إذا ارتكبت دولة ما انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، فمن الصعب على دولة أخرى استخدام القانون لمعاقبتها، حيث من المحتمل أن يكون لديهم قوانين مختلفة. لكن الكشف عن الانتهاكات ولفت الانتباه إليها قد يدفع تلك الدولة للشعور بالعار والتوقف عن ذلك؛ لأنهم لا يريدون أن يبدوا سيئين أمام العالم. عندما يكون التشهير هو الخيار المطروح لدينا، فإننا نستخدمه على نحو جيد.

رابعًا: “يجب أن يكون المعتدي حساسًا لمصدر التشهير”. يجب أن يعتبر المشهّر بهم أنفسهم خاضعين للأعراف الاجتماعية مثلهم مثل مصدر التشهير. إن فضْح سلسلة بقالة عضوية لتخزين اللحوم المنتجة بطريقة غير أخلاقية سيكون أكثر فاعلية بكثير من فضح سلسلة مطاعم وجبات سريعة للسبب نفسه. إذا رأى المخالفون أنفسهم خاضعين لقواعد مختلفة، فمن غير المرجح أن يشعروا بالقلق.

خامسًا: “يجب أن يثق الجمهور بالمصدر الذي قام بعملية التشهير”. يجب أن يأتي التشهير من مصدر محترم وجدير بالثقة وغير منافق. إذا غاب هذا الأمر، فمن المرجح أن يكون تأثيره ضئيلاً. إن المنفذ الإخباري الذي يفضح جانبًا واحدًا فقط من الطيف السياسي في قضية متعددة الأطياف لن يكون له تأثير كبير.

سادسًا: “يجب توجيه التشهير حيث تكون الفوائد المحتملة أكبر”. نملك جميعنا اهتمامًا بالتشهير إلى حد ما، لذلك يجب تطبيقه فقط حيث يمكن أن يكون له أكبر الفوائد الممكنة وأن يكون استخدامه باعتدال، وعند الضرورة.
لو حصل ما يخالف ذلك، سيصبح الناس مقاومين للحساسية وبعدها لن يجدي التشهير نفعًا. ومتى ما كان ذلك ممكنا، يجب أن نستهدف المؤسسات وليس الأفراد. التشهير الفعال يركز على القوي وليس الضعيف.

سابعًا: “يجب تنفيذ عملية التشهير بدقة” يجب تنفيذ التشهير بشكل متسق. يمكن أن يكون التهديد أكثر فائدة من الفعل نفسه، ولهذا السبب قد يحتاج إلى التنفيذ بشكل منتظم. على سبيل المثال، يُعدّ التقرير السنوي عن الشركات المذنبة بأكبر قدر من التلوث ذا جدوى أكبر من التقرير الذي يتم تقديمه لمرة واحدة، حيث تكون الشركات على معرفة بأن ثمة تقريرًا سيصدر عنها فتتوقع ذلك وتغير سلوكها بشكل استباقي. توضح جاكيه قائلةً “تتحسن عملية التشهير عندما يُصلح الأفراد سلوكهم استجابةً لخوفهم من التشهير ويظلون جزءًا من المجموعة. . . . من الناحية المثالية، يخلق التشهير بعض الخلافات ولكنه يتشافى في النهاية دون ترك ندبة “.

خلاصة القول، كتبت جاكيه: “عندما يتم التشهير دون تدمير حياة أي شخص، فإنه يؤدي إلى الإصلاح وإعادة الترابط بدلاً من المواجهة أو الهروب أو حتى إلى ما هو أفضل من ذلك، أو يعمل كرادع للسلوك السيء فهو بذلك يتم على النحو الأمثل.”

***

نظرًا لتجاربنا السلبية مع التشهير على الصعيد الشخصي، فقد نكره رؤيته بالصورة التي وصفتها جاكيه: كأداة مهمة وقوية. لكن “التشهير مثل أي أداة، هو في حد ذاته غير أخلاقي ويمكن استخدامه لأي غاية، سواء كانت جيدة أو سيئة.” آلية استخدامنا له هي ما يحدد الغاية منه.

بالاستناد على ما قالته جاكيه، لا يحبّذ انتهاج أسلوب التشهير لاستهداف الانتهاكات التي لها تأثير بسيط أو التي تكون ناجمةً عن خطأ ارتكبه الأفراد الضعفاء، بل يجب أن نستخدمه حينما تعود فائدته على المجتمع وعندما تكون الوسائل الرسمية للعقاب قد استنفدت. من المهم أن يكون التشهير متناسبًا وأن يتم عن قصد، وليس وسيلة للدفاع عن النفس.

إن كتاب هل العار ضروري؟ إنما هو قراءة تحث على التفكير والتذكير بالقوة التي نملكها كأفراد للمساهمة في تغيير ذي جدوى للعالم، وإحدى الطرق التي يمكننا بها تغيير العالم هي إعادة التفكير في كيفية رؤيتنا للتشهير.


بقلم: شين باريش | ترجمة: جهينة اليعربية| تدقيق: سحر عثماني | المصدر

Exit mobile version